الذهبي
327
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
تريدين كيما تجمعيني وخالدا * وهل يجمع السّيفان - ويحك - في غمد ؟ وكان المهتدي باللَّه أسمر رقيقا ، مليح الوجه ، ورعا ، متعبّدا ، عادلا ، قويّا في أمر اللَّه ، رجلا شجاعا ، لكنّه لم يجد ناصرا ولا معينا على الخير . قال أبو بكر الخطيب [ ( 1 ) ] : قال أبو موسى العبّاسيّ : لم يزل صائما منذ ولي إلى أن قتل . قال أبو العبّاس هاشم بن القاسم : كنت بحضرة المهتدي عشيّة في رمضان ، فوثبت لأنصرف ، فقال لي : اجلس فجلست . فتقدّم فصلّى بنا ، ودعا بالطّعام . فأحضر طبق خلاف [ ( 2 ) ] وعليه من الخبز النّقيّ ، وفيه آنية فيها ملح وخلّ وزيت . فدعاني إلى الأكل ، فابتدأت آكل ظانّا أنّه سيوفّي بطعام . فنظر إليّ وقال : ألم تكن صائما ؟ قلت : بلى . قال : أفلست عازما على الصّوم ؟ قلت : بلى ، كيف لا وهو رمضان . قال : فكل واستوف ، فليس هاهنا من الطعام غير ما ترى . فعجبت ثمّ قلت : ولم يا أمير المؤمنين ؟ قد أسبغ اللَّه نعمته عليك . فقال : إنّ الأمر لعلى ما وصفت ، ولكني فكّرت في أنّه كان في بني أميّة عمر بن عبد العزيز ، وكان من التّقلّل والتّقشّف على ما بلغك . فغرت على بني هاشم ، فأخذت نفسي بما رأيت [ ( 3 ) ] . وقال ابن أبي الدّنيا : ثنا أبو النّضر المروزيّ : قال لي جعفر بن عبد الواحد : ذاكرت [ المهتدي ] [ ( 4 ) ] بشيء ، فقلت له : كان أحمد بن حنبل يقول به ، ولكنّه كان يخالف . كأنّي أشرت إلى [ من مضى ] [ ( 5 ) ] من آبائه . فقال : رحم اللَّه أحمد بن حنبل ، واللَّه لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرّأت منه . ثمّ قال لي : تكلّم بالحقّ وقل به ، فإنّ الرجل ليتكلّم بالحقّ فينبل في عيني [ ( 6 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] في تاريخ بغداد 3 / 349 . [ ( 2 ) ] الخلاف : صنف من الصفصاف ومن عيدانه تعمل الأطباق . [ ( 3 ) ] تاريخ بغداد 3 / 350 ، الفخري 246 . [ ( 4 ) ] في الأصل بياض ، والمستدرك من : تاريخ الخلفاء للسيوطي 361 . [ ( 5 ) ] في الأصل بياض ، والمستدرك من : تاريخ الخلفاء . [ ( 6 ) ] سير أعلام النبلاء 12 / 537 .